التأهيل لمرضى الزهايمر

التأهيل ومرضى الزهايمر  أو الخرف

لنقل أنه تم تشخيص أحد أحبائك من كبار السن–لا سمح الله- بمرض الزهايمر أو الأمراض الأخرى من فئة الخرف، من المتوقع في هذه الحالة أن يتم إعطاء المقربين من المريض نبذه عن المرض ومآله وكيف سيؤثر على سلوكياته. وسيبدأ المقربين من المريض بتعلم كيفية تقديم الرعاية اليومية للمريض والإبقاء على مستوى قيامه بوظائفه بأفضل شكل ممكن. وسيقوم جميع أفراد الأسرة بتوفير أفضل بيئة لحماية المريض والعمل على الحد من أي سلوكيات غير محببة.

من المهم أن يعي المقربين من المريض في المراحل المبكرة من المرض بأهمية دور الخدمات التأهيلية (من علاج طبيعي ووظيفي وعلاج علل النطق والتخاطب) لمرضى الزهايمر والخرف. فبينما يتسائل الكثير عن جدوى التأهيل لشخص لا يدرك أفراد أسرته والأماكن التي ينبغي أن تكون معروفة لديه إلا أن الخدمات التأهيلية في المراحل المبكرة من المرض تلعب دوراً هاماً في الإبقاء على مستوى قدرات المريض في أداء وظائف حياته اليومية لأطول مدة زمنية ممكنة.

الخدمات التأهيلية وأهميتها

تعد خدمات العلاج الطبيعي والوظيفي وعلاج علل النطق والتخاطب مفيدة جدا للمصابين بالزهايمر والخرف وأسرهم ومرافقيهم في مختلف مراحل المرض. فكلاً من العلاج الطبيعي والوظيفي يساعدان في تهيئة وتعزيز البيئة المحيطة للمريض بهدف تعزيز أداءه مع توفير الحماية والأمان. يتم تقديم رعاية تأهيلية يومية للمرضى وتدريب المقربين في الأسرة وتهيئة البيئة بشكل مناسب لهم. فالتعديلات في البيئة مثل وضع اللافتات على باب الحمام والملصقات التعريفية على الأدراج لتحديد أماكن الشرابات والقمصان مثلاً تسمح للشخص الذي يعاني من الخرف بالقيام بوظائفه بأفضل مستوى ممكن. إن التدريبات التأهيلية  لهذه الفئة سهلة جداً ومن الممكن أن يفهمها طفل من المقربين للمريض ويقوم يتطبيق بعضاً من جوانبها.

يعمل البرنامج التأهيلي على منهجية سلوكية شاملة لرعاية هذه الفئة من المرضى. ولا تركز على مافقده المريض من مهارات وقدرات بل الإبقاء على ما تبقى منها. ومن أهداف البرنامج العمل على تحقيق حالة عاطفية إيجابية  لدى المريض من خلال أنشطة الرعاية اليومية. فقدرات المريض واستقلاليته وروحه المعنوية تحقق حالة نفسية إيجابية للمريض. وبهذه الطريقة يتم العمل على تخفيف وتحديد أعراض المرض العصيبه حتى مع تقدم المرض إلى مراحله اللاحقة.

تتلخص  الأهداف الرئيسية من عملية التأهيل للأشخاص الذين يعانون من أمراض الخرف هي:

· مساعدة المريض على المحافظة على أداءه الوظيفي أو تحسينه في أداء الأنشطة اليومية لأطول حد ممكن خلال تقدم المرض.

· استعادة أو تعويض بعض جوانب الانتكاس الوظيفي التي تحصل جراء إصابة حادة أخرى بجانب الخرف مثل السكتة أو حوادث الوقوع على الأرض.

· توعية أسرة المريض والمرافق عن المرض والقيام بتدريب للمهارات اللازمة لتوفير بيئة ملائمة في المنزل وتخفيف فرص تدهور الحالة.

هناك ثلاث عوامل رئيسية ذات أهمية لنجاح العملية التأهيلية لمرضى الزهايمر والخرف مرتبطة بفقدان الذاكرة وصعوبات الإدراك التي تحدث بسبب بالمرض وهي:

· مدى قابلية المريض لتعلم تقنيات وطرق علاجية جديدة واستراتيجيات تعويضية وذلك لمعالجة صعوبات الأداء الوظيفي.

· مدى السيطرة على السلوكيات المتعلقة بمرض الخرف والزهايمر والتي من الممكن أن تحول دون التدخل التأهيلي وتحقيق أهدافه.

· تفعيل منهجيات مشاركة للمقربين من المصابين بالمرض في العملية العلاجية لزيادة الفائدة للمريض.

التكامل بين التخصصات التأهيلية:

بسبب تعقيدات مرض الزهايمر والخرف والاضطرابات المصاحبة له، تتم زيادة فعالية الخدمات التأهيلية من خلال منهجية تعاونية متعددة التخصصات. بحيث يقوم مجموعة من المتخصصين بالعمل بشكل وثيق وعلى أساس دوري ويقدمون خلاصة خبرتهم لتبني منهجية مدمجة لجميع التخصصات بهدف فهم وعلاج الأشخاص الذين يعانون من هذه المشكلة الصحية. تقوم الاستراتيجيات العلاجية التأهيلية على تبسيط المهام والعمل على تأسيس روتين يومي واعتماد أسلوب التدريب العملي والتكرار واستخدام الإيماءات كوسيلة للتواصل وكذلك تدريب المرافقين والأسرة. من المهم دمج هذه الاستراتيجيات الداعمة عند تنفيذ العلاج التأهيلي لتفعيل الذاكرة الاجرائية لدى المرضى لمساعدة المريض في تحقيق أعلى مستوى من الأداء.

ويجب أن يتميز الفريق العلاجي الناجح المتعدد التخصصات بالتالي: التنسيق بين الأخصايين والمرضى والمرافقين، وفتح قنوات تواصل بين جميع أعضاء الفريق، والحرص على فهم احتياجات الأسرة، والعمل على حل المشكلات بين عضوين من الفريق على الأقل ، وكذلك الالتزام بتعلم القيم وأسس التخصصات الاخرى، ووجود فلسفة منظمة تتبناها جميع التخصصات عن رعاية هذه الفئة من المرضى.

العلاج الوظيفي

في المراحل المتوسطة من المرض تكثر التحديات السلوكية عند مساعدة المريض في الاستحمام وقضاء الحاجة واللبس وتناول الطعام –والتي تندرج جميعها تحت تخصص العلاج الوظيفي. يقوم أخصائي العلاج الوظيفي بإعطاء تعليمات للمقربين من المريض بخصوص مساعدة المريض بالقيام بتلك المهام اليومية بطريقة آمنة وبأقل قدر ممكن من الضغط النفسي على المرافق. وحتى لو كنت تعتقد أن قريبك العزيز الذي يعاني من المرض لديه قدرة محدودة في تعلم أشياء جديدة إلا أن العلاج الوظيفي يكون مفيداً جداً. يقدم أخصائي العلاج الوظيفي كذلك تدريب للمرافق في حل المشكلات وتبسيط المهام ووسائل التواصل وتقنيات تخفيف الضغط النفسي لتخفيف العبء عنه.

العلاج الطبيعي

يقوم أخصائي العلاج الطبيعي بتقييم قدرة المريض على المشي بطريقة آمنة وتقييم مخاطر الوقوع على الأرض والمهام الوظيفية الأخرى. كما يقوم أخصائي العلاج الطبيعي بإعداد برنامج علاجي يتضمن التمرينات ويساعد على الإبقاء على قدرات المريض الحالية مما يخفف العبء على المرافق الخاص بالمريض. فلا يلزم المريض تذكر التمرين حتى يجني ثماره ويكفي أن يشارك فيه.

يركز العلاج الطبيعي في رعاية مرضى الزهايمر والخرف على تحسين التوازن، وتعزيز قوة العضلات وتدريبات التنقل والسيطرة على الألم. وأحد أهداف العلاج الطبيعي الأخرى هو الحد من مخاطر الوقوع على الأرض والإصابات الأخرى. تكون فرص الوقوع على الأرض لدى مرضى الزهايمر والخرف عالية جداً ويعانون من تحديات التنقل بسبب ضعف العضلات وإصابات وقوعهم السابقة وعدم القدرة على التوازن والإعاقة الإدراكية التي تعتري المصابين بالمرض. تقوم أنشطة العلاج الطبيعي الآمنة والتمرينات بالإبقاء على قوة المريض وتوازنه وقدرته على المشي والتنقل من وإلى الكرسي أو السيارة. كما يقوم أخصائي العلاج الوظيفي بالعمل مع بقية أعضاء الفريق وتدريب المريض والمرافق لتعزيز المهارات الحركية في التنقل والأنشطة اليومية. يحرص كل الحرص على توفير بيئة آمنة للمريض والعمل على رفع مستوى حياة المريض وتخفيف الضغط على المرافق.

أثبتت الدراسات أن التمرينات البدنية مفيدة جداً لمرضى الزهايمر. فهي تحافظ على نشاط القلب والأوعية الدموية وتزيد من قدرة تحمل المريض وقوته. كما تساعد على المحافظة على مهاراته الحركية وتقلل من مخاطر الوقوع على الأرض وتقلل من نسبة الأمراض المرتبطة بانخفاض المستوى الإدراكي. وتساعد في تحسين سلوكياته وذاكرته ومهارات التواصل لديه.

تمت مقارنة المرونة والتوازن والقوة لدى المرضى الذين تمت رعايتهم طبياً فقط بالمرضى الذين يتلقون خدمات تأهيلية أخرى. فوجد أن المرضى الذين يتلقون خدمات تأهيلية بالإضافة إلى الرعاية الطبية أقل اكتئاباً وأفضل أداءاً حركياً.

في المراحل المتأخرة من المرض، يختلف دور العلاج الوظيفي والطبيعي مرة أخرى أيضاً. يقوم أخصائيي التأهيل بوضع التوصيات والمساعدة في الحصول على كرسي متحرك خاص لتحقيق أعلى درجة من الراحة في وضعية الجلوس. ويعمل الخبراء من متخصصي التأهيل على منع حصول قصور في العضلات العضلات أو المفاصل وتدريب المقربين على طريقة تقديم الرعاية للمريض في المراحل النهائية من المرض ويتضمن ذلك التغذية المناسبة.

الأعراض السلوكية وكيفية السيطرة عليها

في السياق العلاجي قد تتلخص الأعراض السلوكية في رفض اتباع التعليمات والعدوانية اللفظية أوالجسدية والهيجان أو رفض الجلسة العلاجية. ولمساعدة المريض في تحقيق الأهداف العلاجية فإنه من المهم فهم دوافع هذه السلوكيات وإيجاد طرق للتقليل منها والسيطرة عليها. أثبتت الدراسات أن الطرق العلاجية الغير دوائية تضاهي الأدوية في السيطرة على بعض المشاكل السلوكية ويوصى بالأخذ بها قبل اللجوء إلى الحلول الدوائية.

وقد تتمثل المنهجيات العلاجية الغير دوائية في التالي: إعادة تصميم البيئة المكانية بشكل مناسب، أو استخدام الموسيقى أو التراتيل واسترايجيات تعتمد على الحواس وتدريب المرافق والتمرينات واستخدام المناسبات السعيدة والمشاركة في الأنشطة والعلاجات الأدراكية. ومع تقدم المرض فإن المريض يصبح أكثر حساسية وأقل تحملاً للضغط النفسي الذي تفرضه البيئة المحيطة من الروتين اليومي والأنشطة والتفاعل مع مقدمي الرعاية لذلك فمن المجدي تقليل المتطلبات التي تحيط بالمريض.

ويجب أن تتوافق المنهجيات الغير دوائية مع قدرات المريض واحتياجاته الخاصة والتأكيد على مشاركة أسرة المريض في العلاج من تدريب ودعم والعمل على حل المشاكل لتحديد العوامل التي تؤدي إلى المشاكل السلوكية. واستخدام استراتيجيات مبسطة من تواصل وتكييف البيئة لزيادة فرص مشاركة المريض في الأنشطة ولتحقيق هدف استيعاب المعلومة من قبل المريض.

هناك أسباب قد تؤدي إلى إثارة السلوكيات الغير مرغوبة مما يعيق العملية التأهيلية ومنها:

· الألم: قد لا يستطيع المريض تحديد موضع الألم والإفصاح به.

· الإرهاق وعدم الحصول على النوم الكافي.

· الخوف والقلق والاحساس بفقد السيطرة على الذات والأحداث.

· عدم استيعاب العملية التأهيلية والقلق الناتج من جهل المريض بما هو متوقع منه.

· مشاكل صحية أخرى مثل الالتهابات (الالتهاب البولي مثلاً).

· الاكتئاب السريري والأعراض المرضية النفسية مثل الهلوسة.

· التغيرات في الحواس (ضعف البصر وفقدان السمع وضعف في النظام الحسي الجسدي).

· الإمساك.

· الجفاف.

وهناك أسباب تتعلق بالبيئة المحيطة قد تعمل على إثارة السلوكيات الغير مرغوبة ومنها:

· البيئة المكانية مثل المنزل أو العيادة: قد تكون غير مرتبة وومشتتة ومن الصعب التحرك فيها.

· البيئة المكانية التي لا تبدو معروفة للمريض أو معقدة التهيئة فقد لا يستوعب المريض معنى الإيحاءات التي تشير إلى أماكن الأشياء ولا يستجيب لها.

· تواجد الآخرين في الجلسة قد يكون مشوشاً ومشتتاً للانتباه ويحمل المريض أكثر من طاقته الحسية.

· أنماط التواصل المعقدة والمشوشة.

علاج اضطرابات التواصل

يكون لأخصائيي علاج علل النطق والتخاطب دوراً رئيسياً في علاج اضطرابات البلع المتعلقة بمرض الخرف. ويقومون بتقييم قدرات المريض التواصلية والإدراكية والتوصية باستراتيجيات تساعد في علاج الصعوبات التي تعتري المريض.

التواصل من أهم العوامل التي تؤدي إلى النجاح في السيطرة على السلوكيات الغير مرغوبة. على سبيل المثال، التحدث بدونية إلى المريض أواستخدام لغة التواصل مع الأطفال الصغار وإعطاء التعلميات أو الإيضاحات المعقدة ورفع الصوت مع الشدة في النبرة أوالكلام بسرعة وعدم إعطاء المريض فرصة لاستيعاب المعلومات والاستعجال ببدأ النشاط العلاجي جميعها من أساليب التواصل التي قد يقع فيها مقدمي الرعاية الصحية وتؤدي إلى رفض المريض لاتباع التعليمات والهيجان وشعور جامح بالتشوش والخوف والقلق.

فلذلك فإن أكثر المنهجيات قوة وتميزاً بالفعالية الفورية للتقليل من الأعراض السلوكية عند العمل مع الأشخاص الذين يعانون من الزهايمر والخرف هي تكييف أسلوب تواصل فعال. يسبب الخرف صعوبات في تواصل المريض مع الآخرين وكيفية استيعابه للعملية التأهيلية. وتؤثر أيضاً على طريقة القيام بعمل ما أوحركة (مثل عدم القدرة على تقريب الملعقة من الفم). قد لا يستطيع الأشخاص الذين يعانون من الخرف من القيام بوظيفة ما (فقد لا يتذكر المريض كيف يستخدم أدوات الأكل أو كيفية البدأ أو تسلسل الحركات). من الممكن تقليل هذه الصعوبات من خلال “إيماءات” معينة. ويعتمد استخدام منهجية الإيماءات على مستوى الإدراك لدى المريض.

الإيماءات هي إشارات تتمثل في كلمة أو فعل لتحفيز أداء المريض. وقد تكون الإيماءة أمر لفظي أو تحفيز لفظي أوجسدي مثل تحريك المريض بلطف للقيام بوظيفة ما. ومن الممكن استعراض المطلوب أمام المريض كتحفيز بصري ليقوم المريض بتقليدها. وإذا لم ينجح التحفيز اللفظي والبصري فإن التحفيز الجسدي يكون أكثر فعالية في هذه الحالة مثل وضع اليد فوق يد المريض وتحريك الذراع باتجاه الفم لتناول الطعام.

يستجيب مرضى الزهايمر والخرف بطريقة مختلفة لمختلف الإيماءات مما يتطلب من الأخصائيين اعتملد التجربة لعدد من الإيماءات. ومن الأفضل البدء بالتحفيز اللفظي ثم البصري ثم الجسدي.

في بعض الحالات التي تكون بين المراحل المتوسطة والحادة، قد يكون من الضروري الحد من عدد الكلمات المستخدمة في إعطاء التعليمات لأن المريض قد لا يستطيع في هذه المراحل المتقدمة من استيعاب الكلمات. فيكون استخدام الإيماءات والإشارة واللمس ومناولة الحاجيات تكون أكثر فعالية.

هناك الكثير لتقدمه الخدمات التأهيلية في جميع مراحل المرض لتعزيز الأداء الوظيفي والقيام بالأنشطة اليومية والتقليل من الضغط النفسي على المقربين منه وتخفيف معاناة كل من له علاقة بالمرض.

إعداد: الأخصائي أول علاج طبيعي عثمان القصبي – أخصائي علاج طبيعي للعظام والمفاصل والعضلات

0 ردود

اترك رداً

Want to join the discussion?
Feel free to contribute!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *